أسباب عدم دستوريّة الأمر عدد 4506-2013 المتعلّق بإحداث الوكالة الفنّية للاتّصالات #ATT #A2T

عريضة طعن بتجاوز السلطة ضدّ الأمر عدد4506-2013 المحدث للوكالة الفنية للإتصالات


أصدرت رئاسة الحكومة التونسية بتاريخ 6 نوفمبر 2013 أمرا ترتيبيّا تحت عدد 4506-2013 متعلقا بإحداث الوكالة الفنية للاتصالات وبضبط تنظيمها الإداري والمالي وطرق تسييرها.

بالإضافة إلى الظّروف الحافّة بتوقيت صدوره والتعتيم الذّي صاحب إعداده و مناقشته تحت غطاء السريّة فإنّ الأمر المذكور أُسقط على المنظومة القانونية التونسية بمنطق الأمر الواقع و على أساس تبريرات شُعبويّة و غير جدّية صادرت عن وزارة تكنولوجيا الإتصالات.
بالرّجوع إلى الأمر المتعلق بإحداث الوكالة الفنية للاتصالات يتبيّن أنّه ينطوي على عدّة إخلالات قانونية تجعله مُستهدفا بالإلغاء من أجل تجاوز السّلطة بالنّظر لما تخلّل أحكامه من خرق للدستور و للقانون الداخلي وللقانون الدّولي و الحقوق والحريّات الأساسيّة ذات القيمة الدستورية.

1)    عدم الإختصاص و خرق الدستور و قاعدة التفريق بين السّلط 

حيث اِقتضى الفصل2  من الأمر عدد 4506-2013, الصّادر بتاريخ 6 نوفمبر 2013 أن : " تتولى الوكالة الفنية للاتصالات تأمين الدعم الفني للأبحاث العدلية في جرائم أنظمة المعلومات والاتصال. وتكلف لهذا الغرض بالمهام التالية :
-         تلقي ومعالجة أذون البحث ومعاينة جرائم أنظمة المعلومات والاتصال الصادرة عن السلطة القضائية طبقا للتشريع الجاري به العمل،"
                                         
وحيث أنّ أعمال البحث و معاينة الجرائم تعتبر من صميم الأعمال الإجرائية القضائية ضرورة أنّها تشكّل السند الواقعيّ و الماديّ لأيّ قرار قضائي في إطار التتبّعات القضائيّة و تحديدا الجزائية منها.
وحيث أنّ تحديد الإجراءات و ضبطها إختصاص يرجع للسلطة التشريعية  بواسطة نصّ قانونيّ طبقا بأحكام الفصل 6 فقرة 2 المطّة 3 من القانون التأسيسي المتعلّق بالتنظيم المؤقت للسلط العمومية علما و أنّ هذه القاعدة غير مُبتدعة حديثا في المنظومة القانونيّة التونسية إذ أنّ الفصل 34 من دستور 1 جوان 1959 أسند ذلك الإختصاص للقانون و بالتّالي فإنّ القانون المنظّم للسلط العمومية لم يأت بجديد من هاته الناحية. 

وحيث أنّ إسناد اِختصاص تنفيذ إجراء قضائي و عدلي لجهة إدارية بواسطة أمر ترتيبيّ يعتبر قلبا للمنطق القانوني و الإجرائي رأسا على عقب و غصبا للإختصاص و خرقا لقاعدة تفريق السّلط و تعدّيا على اِختصاص السلطة التشريعيّة من قبل السلطة التنفيذيّة وهو ما يُورث الأمر المذكور عيب اللاّدستوريّة و يجعله مستهدفا بالإلغاء من هاته الناحية. 

2)    خرق الضمانات الدستورية الأساسية لحقوق الدّفاع 

إنّ تنفيذ الوكالة الفنية للإتصالات لمهامها على الشاكلة التي وردت عليها صلب الأمر الذّي أحدثها لا يكفل توفير ضمانات حقوق الدّفاع و ممارستها أمام الوكالة المذكورة ضرورة أنّ أعمالها لا تخضع للضّوابط القانونية و الشكلية و الإجرائية المنصوص عليها صلب القوانين الخصوصية و مجلّة الإجراءات الجزائية خاصة في ما يتعلّق بشكليات المعاينة  و التقنيات و الوسائل المعتمدة لإجرائها و التنصيصات الوجوبية صلب محضر المعاينة و حقّ الإطّلاع عليه حينيّا و الحضور عند إجراء المعاينة و الإستماع  لتلاوة المحضر و إمضائه من قبل المعني بالأمر و حقّ تسجيل ملاحظات أو التجريح في العون المكلّف بإجراء المعاينة.

كما أنّ عدم توفير سبل مراقبة أعمال الوكالة أثناء طور معاينة الجرائم و البحث فيها يُعتبر تضييقا صريحا لمضمون حقّ الدّفاع و ممارسته الفعليّة و مداه طالما كان المتقاضي أو المضنون فيه يجهل كيفية إجراء المعاينة وملابساتها و أهليّة العون الذّي قام بها بما يجعله محروما من مناقشة و دحض أعمال المعاينة والنتيجة التي توصّلت إليها من النواحي الواقعيّة و الإجرائية و الشكليّة.

بالتالي و على عكس ما ينصّ عليه القانون من ضمانات تكفل ممارسة حقوق الدفاع أمام باحث البداية (أعوان قوات الأمن الداخلي الذّين لهم صفة مأمور الضابطة العدلية) و أمام قاضي التحقيق فأنّ الأمر المتعلّق بالوكالة الفنيّة للإتصالات لا يضمن الحدّ الأدنى من ممارسة حقّ الدّفاع و لا يتطرّق إلى الضمانات الكفيلة بممارسته بصورة كاملة أمام الوكالة المذكورة و هو ما يجعل الأمر المذكور منطويا على إنكار و هضم لحقوق الدفاع و للضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة مثلما عرّفها العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية المصادق عليه من قبل الجمهورية التونسية. 

3)    خرق مبدإ دستوري أساسي : مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات

 نصّ الفصل 2 من الأمر عدد 4506-2013 على أنّ الوكالة الفنية للإتصالات تمارس مهمّة البحث في  " جرائم أنظمة المعلومات والاتصال "".
وحيث أنّه بالرجوع إلى المجلة الجزائية و غيرها من النصوص الزجرية يتبيّن أنّ المشرّع التونسي لم يتطرّق إلى ذكر أو وصف أفعال مُجرّمة تحت مُسمّى "جرائم أنظمة المعلومات و الإتصالات".
وحيث إقتضت القاعدة الدستورية الأساسية أنّ وصف الجرائم و تحديد أركانها الماديّة و الشرعيّة و تحديد العقوبات المنجرّة عن اِرتكابها لا يمكن أن يتمّ إلاّ بمقتتضى قانون صادر عن السلطة النشريعيّة و من هنا جائت  تسمية الركن الشرعي للجرائم أو مبدإ شرعية الجرائم و العقوبات.

المجلّة الجزائيّة : الفصل الأول : " لا يعاقب أحد إلا بمقتضى نص من قانون سابق الوضع لكن إذا وضع قانون بعد وقوع الفعل وقبل الحكم البات وكان نصه أرفق بالمتهم فالحكم يقع بمقتضاه دون غيره."
و حيث طالما كان إختصاص وصف الجرائم و تحديدها من صميم صلاحيّات السلطة التشريعيّة فإنّ جرائم   أنظمة المعلومات و الإتصال الوقع إقرارها ووصفها بمقتضى أمر ترتيبيّ تُشكّل خرقا صريحا لمبدإ شرعيّة الجرائم و العقوبات و تعدّيا على أبسط الحقوق الأساسية للإنسان و خرقا صريحا لإختصاص السلطة التشريعيّة.
وحيث يتّجه و الحالة ما ذكر اِعتبار الأمر عدد4506-2013 غير دستوري من هاته الناحية أيظا إستنادا إلى خرق أحكامه لمبدإ دستوري أساسي ألا وهو مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات.

4)    خرق أحكام العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية 

حيث صادقت الجمهورية التونسية على العهد المذكور بتاريخ 18 مارس 1969.
وحيث تضمن الفصول 17 و 18 و 19 من العهد الدولي المذكور التمتّع بحقوق و حريات لمواطني الدول التي صادقت على ذلك العهد و من بين تلك الحقوق و الحريات : حرمة المسكن و الحياة الشخصية والمراسلات و حرية الفكر و الرّأي و التعبير و الضمير.

وحيث أنّ المهام الموكولة للوكالة الفنية للإتصالات تتيح لها إمكانية الولوج إلى المعطيات الشخصية و المراسلات و فرض الرقابة على الرأي و المنشورات طالما كانت مخوّلة لإستغلال الشبكات الوطنية للإتصالات علما و أنّ الأمر المُحدث للوكالة لا يلزمها عمليّا باِحترام ظوابط الشفافية و الضرورة و التناسب و الرقابة أو التدقيق العمومي بمناسبة ممارستها لمهمّة مرقابة و اِستغلال الشبكات الوطنية للإتصالات.

وحيث أنّ تفويض الوكالة للقيام بهاته الوظيفة بمقتضى أمر فيه مساس من جوهر الحقوق طالما لم تتوفّر ضوابط قانونية لمراقبة أعمالها و طالما لم تكن مؤهّلة لتلك المهام بمقتضى قانون خاصّة وأنّ جميع الحقوق و الحريات المذكورة أعلاه مضمونة و مفصّلة بموجب قوانين أساسيّة أعلى مرتبة من الأمر الترتيبيّ و لا تعترف أصلا بوجود هاته الوكالة من أساسها.
وحيث بات تدخّل الأمر الترتيبي المذكور في ميدان تطبيق حقوق أساسيّة تنظّمها قوانين أساسيّة في غير طريقه قانونا و منطويا على عدم تناسب و تعسّف و تجاوز للسلطة من خلال فرض رقابة على حقوق أساسية مضمونة طبق القانون الدولي دون توفير ضمانات إجرائية وموضوعية لعدم المساس بجوهر الحقوق والحريات المذكورة.

5) خرق القانون و ممارسة صلاحيّات مأموري الضابطة العدلية دون تأهيل قانوني 

حيث نصّ الفصل 10 من مجلة الإجراءات الجزائية على ستّة أصناف من مأموري الظابطة العدلية من بينهم  أعوان الإدارات العمومية المنصوص عليهم بالفقرة 6 من نفس الفصل و الذّين يقع تأهيلهم لممارسة تلك الصلاحيات بمقتضى قوانين خصوصية.

مجلّة الإجراءات الجزائيّة : ﺍﻟﻔﺼل 10 –"  ﻴﺒﺎﺸﺭ ﻭﻅﺎﺌﻑ ﺍﻟﻀﺎﺒﻁﺔ ﺍﻟﻌﺩﻟﻴﺔ ﺘﺤﺕ ﺇﺸﺭﺍﻑ ﺍﻟﻭﻜﻴل ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻟﻠﺠﻤﻬﻭﺭﻴﺔ ﻭﺍﻟﻤﺩﻋﻴﻥ ﺍﻟﻌﻤﻭﻤﻴﻴﻥ ﻟﺩﻯ ﻤﺤﺎﻜﻡ ﺍﻻﺴﺘﺌﻨﺎﻑ، كل ﻓﻲ ﺤﺩﻭﺩ ﻤﻨﻁﻘﺘﻪ ﻤﻥ ﺴﻴﺄﺘﻲ ﺫﻜﺭﻫﻡ :
6) ﺃﻋﻭﺍﻥ ﺍﻹﺩﺍﺭﺍﺕ ﺍﻟﺫﻴﻥ ﻤﻨﺤﻭﺍ ﺒﻤﻘﺘﻀﻰ ﻗﻭﺍﻨﻴﻥ ﺨﺎﺼﺔ ﺍﻟﺴﻠﻁﺔ ﺍﻟﻼﺯﻤﺔ ﻟﻠﺒﺤﺙ ﻋﻥ ﺒﻌﺽ ﺍﻟﺠﺭﺍﺌﻡ ﺃﻭ ﺘﺤﺭﻴﺭ ﺍﻟﺘﻘﺎﺭﻴﺭ ﻓﻴﻬﺎ،"

وحيث أنّ معاينة الجرائم و البحث فيها يعتبران من صميم عمل مأموري الضابطة العدلية طبقا للفصل 9 من مجلة الإجراءات الجزائية و الفصل 5 من القانون عدد 82-70 المؤرّخ في 6 أوت 1982 المتعلق بالنظام الأساسي لقوّات الأمن الدّاخلي.

مجلة الإجراءات الجزائية : ﺍﻟﻔﺼل 9 – ﺍﻟﻀﺎﺒﻁﺔ ﺍﻟﻌﺩﻟﻴﺔ ﻤﻜﻠﻔﺔ ﺒﻤﻌﺎﻴﻨﺔ ﺍﻟﺠﺭﺍﺌﻡ ﻭﺠﻤﻊ ﺃﺩﻟﺘﻬﺎ ﻭﺍﻟﺒﺤﺙ ﻋﻥ ﻤﺭﺘﻜﺒﻴﻬﺎ ﻭﺘﻘﺩﻴﻤﻬﻡ ﻟﻠﻤﺤﺎﻜﻡ ﻤﺎ ﻟﻡ ﻴﺼﺩﺭ ﻗﺭﺍﺭ ﻓﻲ ﺍﻓﺘﺘﺎﺡ ﺒﺤﺙ.

وحيث أنّ جميع الحالات التي توكل فيها سلطة معاينة الجرائم والبحث فيها لموظّف عمومي يقع تأهيل الموظّف المعني بالأمر بواسطة قانون خاصّ للغرض علما و أن تلك القوانين تكفل صراحة جملة من الضمانات الشكلية و الإجرائية  التي يجب اِتباعها عند تحرير المحاضر و إجراء المعاينات كما تشترط نفس تلك القوانين أن يكون الأعوان المكلّفون بمعاينة الجرائم مُحلّفين لذلك الغرض و منتمين لصنف مهنيّ معيّن علاوة على ضرورة أن يكون لهم تأهيل فنيّ للغرض.


وحيث خلافا لكلّ تلك الضوابط القانونية فإن تأهيل أعوان الوكالة الفنية للإتصالات تمّ بموجب أمر ترتيبي  عوضا عن قانون و دون إخضاعهم لواجبات مأموري الضابطة العدلية ودون أن يكونوا محلّفين للغرض. 

وحيث أنّ مهمّة تأمين الدّعم الفنيّ للأبحاث العدليّة المسندة للوكالة الفنية للاتصالات تتقاطع بصورة مباشرة مع مهامّ أسندها القانون للخبير العدليّ بوصفه من مساعدي القضاء كما أنّ تلك المهمّة تتقاطع من جهة  أخرى بصورة صريحة مع أسندته الفصول 9 و 10 و 11 و 13 من مجلّة الإجراءات الجزائية  و ما أسنده الفصل 5 من القانون عدد 82-70 المؤرّخ في 6 أوت 1982 المتعلق بالنظام الأساسي لقوّات الأمن الدّاخلي إلى مأموري الضّابطة العدليّة من مهامّ مندرجة في إطار تأمين الدعم الفنيّ للأبحاث العدليّة سواء كان تعهّدهم بالبحث منضويا تحت البحث الأوليّ أو في إطار تنفيذهم لإنابة عدليّة.

وحيث أسند الأمر عدد 4506-2013 اِختصاص معاينة جرائم الإتصالات و المعلومات لأعوان الوكالة الفنية للإتصالات في حين أنّ ذلك الإختصاص سبق إسناده بمقتضى قوانين مختلفة لعدّة أصناف من الموظّفين العموميين كلّ حسب ميدان تدخّله و من بينهم الأعوان المُحلفون التابعون لوزارة الإتصالات المأهّلون طبقا للفصل 79 من مجلة الإتصالات و طبقا لمجلّة البريد و لقانون حماية المعطيات الشخصية لمعاينة جرائم متّصلة بالإتصالات و المعلومات و هي ميادين تتقاطع مباشرة مع ميدان نشاط الوكالة الفنية للإتصالات.
وحيث أنّ الإعتداء على إختصاص إستثنائي أقرّه القانون بصورة محدّدة لأصناف معيّنة من الموظّفين العمومين يشكّل خرقا للقانون و تعدّيا على إختصاص وظيفيّ يرجع بالنّظر لميدان تدخّل القانون ممّا يكون معه الأمر الترتيبيّ المحدث للوكالة الفنية للإتصالات مشوبا بعيب اللاّشرعيّة و مخالفا لأحكام الفصل 10 فقرة 6 من مجلة الإجراءات الجزائية وبالتالي فإنّ تدخّل الوكالة المذكورة في تنفيذ أذون البحث و المعاينات غير قانوني و ينطوي على تجاوز للسلطة و خرق لاِختصاص مأموري الضابطة العدلية وللضمانات القانونية للمحاكمة العادلة. 
  
النصّ الكامل للمقال باللغة الفرنسيّة تحت عنوان :

Leave a Reply